الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

449

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ظاهر الشريعة ولا ربط له لذلك بما وضع له اللفظ أو استعمل فيه كما لا يخفى وما قد يقال من أنه بعد ثبوت اشتغال الذمة وحصول الإجمال في متعلق التكليف بحسب مراعاة الاحتياط لاقتضاء اليقين بالشغل اليقين بالفراغ مدفوع بأن الشغل اليقيني إنما يحتاج إلى اليقين بالفراغ على مقدار اليقين بالاشتغال ولا يقين هنا بالاشتغال بما يزيد على الأقل حتى يستدعي اليقين بالفراغ وما قد يتوهم من عدم جريان البيان المذكور في الوجه الأخير بحصول الاشتغال هناك بمؤدى اللفظ ولا يقال هناك بالفراغ إلا بالإتيان بجميع المحتملات بل ولا في الوجه الأول لدوران التكليف هناك بين أحد الوجهين ولا يحصل اليقين بالفراغ بأداء الأقل غاية الأمر جريانه في الوجه الثاني إذ القدر المتيقن هناك بالاشتغال بذلك الكلي هو الأقل فينفي الزائد بالأصل ولا حاجة معه إلى اليقين بالفراغ مردود بأنه لما كان مؤدى اللفظ في الوجه الأخير واحد الوجهين أو الوجوه في الوجه الثاني إذ القدر المتيقن في الاشتغال ولم يحصل من العلم بتعلق التكليف بهما إلا اليقين بالاشتغال بالأقل إذ هو القدر الثابت من الاشتغال والاشتغال بما يزيد عليه غير معلوم فيدور الأمر بين حصول الشغل وعدمه وقد تقدم البراءة حتى تبين الاشتغال وبالجملة ليس المقصود بيان أن المراد من ذلك المجمل هو الأقل هو الخصوص بل المراد أنه لا يتحصل من التكليف بذلك المجمل علم باشتغال الذمة على ما يزيد على الأقل بنفي الزائد بالأصل فيكون الواجب علينا بعد رفع الزائد بالأصل هو خصوص الأقل فليتأمل جيدا هذا بالنسبة إلى إجراء الأصل في الأجزاء وأما بالنسبة إلى الشرائط فإن قام هناك إطلاق صح نفي الاشتراك إذن من جهته ويصح التمسك هناك بأصالة عدم التقييد ومع حصول الإجمال فلا يصح الاستناد في نفيه إلى أصالة البراءة بل لا بد من مراعاة الاحتياط بحسب ما يأتي بيانه في المقام الثاني والقائل بجريانه هناك يقول به في المقام أيضا [ المقام‌الثاني فيما إذا كان الصحة منوطة بالاجتماع . . . ] وسيأتي تفصيل القول فيه المقام الثاني فيما إذا كان الصحة منوطة بالاجتماع وكان انضمام كل جزء إلى الآخر معتبرا في تعلق الحكم وحينئذ نفي الاقتصار على المتيقن ورفع المشكوك بالأصل وجهان ومن هنا وقع الفراغ المعروف بين المتأخرين في إجراء الأصل في أجزاء العبادات المجملة وشرائطها المشكوكة فذهب جماعة منهم إلى جريان الأصل في ذلك وجعلوا إجراءه فيها كإجرائه في التكاليف المستقلة من غير فرق ومنعه آخرون حيث أوجبوا مراعاة الاحتياط في ذلك وحكموا بأن ما شك في جزئيته أو شرطيته فهو جزء وشرط يعنون به أنه في حكم الجزء والشرط في توقف الحكم بالصحة على الإتيان به لا أنه جزء أو شرط بحسب الواقع كما قد يتوهم ولما لم تكن المسألة في كتب الأصحاب ما عدا جماعة من متأخري المتأخرين اختلف النسبة إليهم في المقام فقد عزى بعض من القائلين بالأول ذلك إلى ظاهر كلمات الأوائل والأواخر واستظهر نفي الخلاف فيه وبعض من يقول بالثاني عزاه إلى أكثر الأصحاب لما يرون في كلماتهم من الاستناد في ذلك إلى أصالة البراءة تارة والاحتياط أخرى وكيف كان فالأقوى هو الثاني ويدل عليه وجوه الأول أنه إذا تعلق الأمر بطبيعة العبادة المفروضة فقد ارتفعت به البراءة السابقة وثبت اشتغال الذمة بها قطعا إلا أنه يدور الأمر بين الاشتغال بالطبيعة المشتملة على الأقل أو الأكثر وليست المشتملة على الأقل مندرجة في الحاصلة بالأكثر كما في مسألة الدين فإن اشتغال الذمة هناك بالأكثر قاض باشتغالها بالأقل لعدم ارتباط هناك بين الأجزاء بخلاف المقام إذ المفروض ارتباط بعض الأجزاء بالبعض وقضاء زوال كل جزء منها بزوال الكل وكونها في حكم العدم الصّرف والقول بأن التكليف بالكل قاض بالتكليف بالجزء قطعا بخلاف العكس لا يثمر في المقام إذ القدر المعلوم تعلق التكليف التبعي بالجزء في ضمن الكل إلا أن يتعلق به تكليف على الإطلاق ولو انفصل عن بقية الأجزاء نعم لو قام الدليل على عدم ارتباط بين الأجزاء في التكليف وعدم اعتبار الماهية المجموعية فيه صح ذلك والمفروض في محل البحث قيام الدليل على العكس فضلا عن عدم قيامه على إطلاق التكليف فحينئذ نقول إن التكليف بالطبيعة المشتملة على الأكثر لا يقضي باشتغال الذمة بالمشتملة على الأقل حتى إنه إذا أتى بالأقل حصل به الفراغ على حسبه ليدور الأمر في الباقي بين حصول التكليف به وعدمه ليرجح الحكم بالبراءة وعدم التكليف بعد دوران الأمر في الباقي بين اشتغال الذمة وبراءته وحصول التكليف به وعدمه كما يقرر ذلك فيما إذا دار التكليف بين الأقل والأكثر في غير المرتبط بالأجزاء كما مر إذ قد عرفت أن التكليف بالأكثر لا يقضي باشتغال الذمة بالأقل كذلك بوجه من الوجوه بل الإتيان به حينئذ كعدمه فاشتغال الذمة حينئذ دائر بين طبيعتين وجوديتين لا يندرج أحدهما في الآخر وإن اشتمل الأكثر على أجزاء الأقل لما عرفت من عدم الملازمة بين الأمرين فحينئذ لا وجه في إجراء الأصل البراءة أو العدم في تعيين أحدهما لوجهين إذ مورد ذينك الأصلين دوران الأمر بين البراءة والشغل ووجود الشيء وعدمه لا ما إذا دار الأمر بين الاشتغال بأحد الأمرين أو وجود أحد الشيئين كما هو المفروض في المقام فإن قلت إن التكليف بالأكثر في المقام قاض بالتكليف في الأقل في الجملة فيصدق ثبوت الاشتغال به على طريق اللا بشرط وحينئذ فيدور الأمر في الزائد بين البراءة والشغل وحصول التكليف وعدمه فينفي بالأصل قلت ليس التكليف بالأقل ثابتا على طريق اللا بشرط ليكون ثبوت التكليف به على نحو الإطلاق بل ثبوته هناك على سبيل الإجمال والدوران بين كونه مطلوبا بذاته أو تبعا للكل في ضمنه فعلى الأول لا حاجة إلى إعمال الأصل وعلى الثاني لا يعقل إجراؤه فيه والقول بأن المقصود بالأصل نفي الحكم في الظاهر بعد دوران الأمر بين الثبوت وعدمه وإلا فهو في الواقع إما ثابت لا مسرح فيه للأصل أو منفي لا حاجة إليه فلو كان ذلك مانعا عن جريانه لما جرى في سائر المقامات مدفوع بأنه بعد العلم باشتغال الذمة بمقدار مخصوص بحيث يعلم إرادته على كل حال لا تأمل في إجراء الأصل فيما زاد عليه بعد قيام دليل يمكن الركون إليه من غير فرق بين ما إذا تعلق التكليف بمجمل وكان ذلك هو القدر المتيقن منه أو بمبين وشك في تعلق التكليف أيضا بما يزيد عليه وأما إذا لم يتبين القدر المذكور لتعلق التكليف ودار الأمر بين تعلق التكليف به بخصوصه أو بما يزيد عليه بحيث لا يكون القدر المذكور مطلوبا بنفسه أصلا بل مطلوبا بطلب الكل في ضمنه فلا لدوران التكليف إذن بين طبيعتين مختلفتين غاية الأمر أن يكون أحدهما أقل جزء من الآخر فإن ذلك بمجرده لا يقضي بترجيح الأقل